الشوكاني

357

نيل الأوطار

لم يكن جاهليا ، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير فظاهره غير مراد . ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه ما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه من حديث الحرث بن الحرث الأشعري من حديث طويل وفيه : من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الاسلام من عنقه وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفي سنده جليد بن دعلج وفيه مقال وقال : من رأسه يدل من عنقه . قوله : فوا ببيعة الأول فالأول فيه دليل على أنه يجب على الرعية الوفاء ببيعة الامام الأول ثم الأول ، ولا يجوز لهم المبايعة للامام الآخر قبل موت الأول . قوله : ثم أعطوهم حقهم أي ادفعوا إلى الامراء حقهم الذي لهم المطالبة به وقبضه ، سواء كان يختص بهم أو يعم ، وذلك من الحقوق الواجبة في المال كالزكاة ، وفي الأنفس كالخروج إلى الجهاد ، وظاهر الحديث العموم في المخاطبين . ونقل ابن التين عن الداودي أنه خاص بالأنصار ، وكأنه أخذه من كون المخاطب بذلك الأنصار كما في حديث عبد الله بن زيد ، ولا يلزم من مخاطبتهم بذلك أن يختص بهم ، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ، ويختص ببعض المهاجرين دون بعض ، فالمستأثر من يلي الامر ، ومن عداه هو الذي يستأثر عليه ، ولما كان الامر يختص بقريش ولاحظ للأنصار فيه خوطب الأنصار في بعض الأوقات وهو خطاب للجميع بالنسبة إلى من لا يلي الامر . وقد ورد ما يدل على التعميم ، ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال : يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذونا بالحق ويمنعونا الحق الذي لنا أن نقاتلهم ؟ قال لا ، عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا : سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره برئ ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وبايع ، قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال لا ما صلوا ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي . وفي مسند الإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال : أتاني جبريل فقال : إن أمتك مفتتنة من بعد ك ، فقلت : من أين ؟ قال : من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الامراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء الامراء فيفتنون ، قلت : فكيف يسلم من سلم منهم ؟ قال : بالكف والصبر ، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه .